الإقبال بالأعمال الحسنة

السيد ابن طاووس رضى الدين علي الحلي · الإقبال بالأعمال الحسنة الجزء الاول 1 · صفحة 420 من 515

[صفحة 420]

لهم من صحبة الديار و المنازل، و أَنفع من الأهل و أَرفع من الأعيان و الأمثال، اقتضت دواعي لسان الحال أَن يودّع عند الفراق و الانفصال.

ذكر ما نورده من طبقات أَهل الوداع لشهر الصيام فنقول:

اعلم أَنّ الوداع لشهر رمضان يحتاج إِلى زيادة بيان، و الناس فيه على طبقات:

طبقة منهم: كانوا في شهر رمضان على مراد اللّٰه جلّ جلاله و آدابه فيه في السرّ و الإعلان، فهؤلاء يودّعون شهر الصيام وداع من صاحبه بالصّفاء و الوفاء و حفظ الذمام، كما تضمّنه وداع مولانا زين العابدين عليه أَفضل السلام. و طبقة منهم: صاحبوا شهر رمضان تارة يكونون معه على مراد اللّٰه جلّ جلاله في بعض الأزمان، و تارة يفارقون شروطه بالغفلة أَو بالعصيان، فهؤلاء إِن اتّفق خروج شهر رمضان و هم مفارقون له في الآداب و الاصطحاب، فالمفارقون لا يودّعون و لا هم مجتمعون، و إِنّما الوداع لمن كان مرافقا و موافقا في مقتضى العقول و الألباب، و إِن اتّفق خروج شهر رمضان و هم في حال حسن صحبته.

فلهم أَن يودّعوه على قدر ما عاملوه في حفظ حرمته، و أَن يستغفروا و يندموا على ما فرّطوا فيه من إِضاعة شروط الصحبة و الوفاء، و يبالغوا عند الوداع في التلهّف و التأسّف كيف عاملوه بوقت من الأوقات بالجفاء. و طبقة: ما كانوا في شهر رمضان مصاحبين له بالقلوب، بل كان فيهم من هو كاره لشهر الصيام، لأنّه كان يقطعهم عن عادتهم في التهوين، و مراقبة علّام الغيوب، فهؤلاء ما كانوا مع شهر رمضان حتّى يودّعوه عند الانفصال، و لا أَحسنوا المجاورة له لمّا نزل بالقرب من دارهم، و تكرّهوا به و استقبلوه بسوء اختيارهم، فلا معنى لوداعهم له عند انفصاله، و لا يلتفت إِلى ما يتضمّنه لفظ وداعهم و سوء مقالهم.

أَقول: فلا تكن أَيّها الإنسان ممّن نزل به ضيف غنيّ عنه، و ما نزل به ضيف منذ سنة أَشرف منه و قد حضره للانعام عليه، و حمل إليه معه تحف السعادات، و شرف العنايات، و ما لا يبلغه وصف المقال من الآمال و الإقبال، فأساء مجاورة هذا الضيف الكريم، و جفاه و هوّن به، و عامل معه معاملة المضيف اللّئيم، فانصرف الضيف الكريم ذامّا

التالي صفحة 420 من 515 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...