دلائل الإمامة

محمد بن جرير الطبري‏ · دلائل الإمامة · صفحة 493 من 663

[صفحة 493]

الأعالي حتّى ألصقت بالأرض، و تقوّضت الأعمدة، و تغيّرت ألوان الأساقفة، و ارتعدت فرائصهم.

فقال كبيرهم لجدّي: أيّها الملك، أعفنا من ملاقاة هذه النّحوس، الدالّة على زوال هذا الدين المسيحي، و المذهب الملكاني‏ (1).

فتطيّر جدّي من ذلك تطيّرا شديدا، و قال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة، و ارفعوا الصّلبان، و احضروا أخا هذا العاثر المنكوس جدّه، لأزوّج منه هذه الصبيّة، فتدفع نحوسه عنكم بسعوده. فلمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأوّل و تفرّق الناس و قام جدّي قيصر مغتمّا، فدخل قصره، و أرخيت الستور. و أريت‏ (2) في تلك الليلة كأنّ المسيح و شمعون و عدّة من الحواريين، قد اجتمعوا في قصر جدّي، و نصبوا فيه منبرا، يباري السماء علوّا و ارتفاعا، في الموضع الذي كان جدّي نصب فيه عرشه، فيدخل عليهم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) مع ختنه و عدّة من أهل بيته، فيقوم إليهم المسيح فيعتنقه، فيقول له: يا روح اللّه إنّي جئتك خاطبا من وصيّك شمعون فتاته فلانة، لابني هذا. و أومأ بيده إلى أبي محمّد ابن صاحب هذا الكتاب، فنظر المسيح إلى شمعون، فقال: قد أتاك الشرف، فصل رحمك برحم رسول اللّه. قال: قد فعلت. فصعدوا ذلك المنبر، فخطب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و زوّجني من ابنه، و شهد المسيح (عليه السلام)، و شهد ابناء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الحواريون.

فلمّا استيقظت من نومي أشفقت‏ (3) أن أقصّ هذه الرّؤيا على أبي و جدّي مخافة القتل، فكنت أسرّها في نفسي، و لا ابديها لهم، و ضرب صدري بمحبّة أبي محمّد (عليه السلام)، حتّى امتنعت عن الطعام و الشراب، و ضعفت نفسي، و دقّ شخصي، و مرضت مرضا شديدا، فما بقي في مدائن الروم طبيب إلّا أحضره جدّي و سأله عن‏

(1) الملكانيّة: أصحاب: ملكا، الذي ظهر بأرض الروم، و استولى عليها. و معظم الروم ملكانية. الملل و النحل 1: 203.
(2) في «ط»: و رأيت.
(3) في «ع، م»: أنفت.
التالي صفحة 493 من 663 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...