قد أضلت عقولها (1) وركبت مجهولها سروح عاهة بواد وعث (2) ليس لها راع يقيمها (3).
رويدا حتى يسفر الظلام (4) كأن قد وردت الظعينة (5) يوشك من أسرع أن يؤوب.
واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار (6) فإنه يسار به وإن كان لا يسير، أبى الله إلا خراب الدنيا (7) وعمارة الآخرة.
أي بني فإن تزهد فيما زهدك الله فيه من الدنيا وتعزف نفسك عنها فهي أهل ذلك وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فيها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك وأنك في سبيل من كان قبلك، فاخفض في الطلب (8) وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب (9) وليس كل طالب بناج وكل مجمل بمحتاج.
وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى رغبة، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا (10) ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا وما خير خير لا ينال إلا بشر
(1) أضلت عقولها: أصاعت عقولها وركبت طريقها المجهول لها.والعاهة: الافة.
والوعث: الطريق الغليظ العسر يصعب السير فيه.
(3) وفى النهج " ليس لها راع يقيمها ولا مقيم يسيمها ".والمعنى عن قريب يكشف ظلام الجهل عما خفى من الحقيقة بحلول الموت.
(5) الظعينة: الهودج. عبر به (عليه السلام) عن المسافرين في طريق الدنيا إلى الاخرة كان حالهم أن وردوا على غاية سيرهم. وقوله: " يؤوب " أى يرجع.وأجمل فيما تكتسب أى اسع سعيا جميلا لا بحرص ولا بطمع.
(9) الحرب - محركة -: سلب المال من حرب الرجل: سلبه ماله وتركه بلا شئ وأيضا بمعنى الهلاك والويل.والمراد أن طلب المال لصيانة النفس وحفظه فلو أتعبت وبذلت نفسك لتحصيل المال فقد ضيعت ما هو المقصود منه فلا عوض لما ضيع. و " لن تعتاض " أى لن تجد عوضا.
(*)