تحف العقول عن أل الرسول

ابن شعبة الحراني · تحف العقول عن أل الرسول · صفحة 69 من 515

[صفحة 69]

بحبله وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن [أنت] أخدت به.

أحي قلبك بالموعظة وموته بالزهد وقوه باليقين وذلله بالموت (1) وقرره بالفناء وبصره فجائع الدنيا (2) وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والايام (3) وأعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كان قبله وسر في بلادهم وآثارهم وانظر ما فعلوا وأين حلوا وعما انتقلوا فإنك تجدهم انتقلوا عن الاحبة وحلوا دار الغربة وناد في ديارهم: أيتها الديار الخالية أين أهلك ثم قف على قبورهم فقل: أيتها الاجساد البالية والاعضاء المتفرقة كيف وجدتم الدار التي أنتم بها، أي بني وكأنك عن قلى قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلاله فإن الكف عن حيرة الضلالة خير من ركوب الاهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بلسانك ويدك وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم وخض الغمرات إلى الحق حيث كان (4) وتفقه في الدين وعود نفسك التصبر (5) وألجئ نفسك في الامور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز (6) ومانع عزيز وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة (7) وتفهم وصيتي ولا تذهبن [عنها] صفحا (8)، فإن خير القول ما نفع

(1) في النهج " وأمته بالزهادة وقوه باليقين ونوره بالحكمة وذلله بذكر الموت ".
(2) اى اطلب منه الاقرار بالفناء.

وبصره بالفجائع: جمع الفجيعة وهى المصيبة تفزع بحلولها.

(3) الفحش بمعنى الزيادة والكثرة.
(4) في بعض نسخ الحديث [ للحق ] مكان " بالموت ".

والغمرات: الشدائد.

(5) في النهج [ وعود نفسك التصبر على المكروه ونعم الخلق التصبر ].

والتصبر: تكلف الصبر.

(6) الكهف: الملجأ والحريز: الحصين.
(7) الاستخارة: اجالة الرأى في الامر قبل فعله لاختيار أفضل الوجوه.
(8) الصفح: الاعراض.

وفى بعض النسخ [لا تذهبن منك صفحا].

(*)

صفحة [70 ]

واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم حين لا يقال به.

(1) أي بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا (2) ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن أن يعجل بي أجلي (3) دون أن افضي إليك بما في نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور (4)، وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما القي فيها من شئ قبلته فبادرتك بالادب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته (5) فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك منه ما ربما أظلم علينا فيه (6).

أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلى فقد نظرت في أعمالهم و فكت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلى من امورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله وتوخيت لك جميلة (7) وصرفت عنك

(1) في النهج " ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه ".

وذلك تنبيه على أن من العلوم ما لا خير فيه وهى التى نهت الشريعة عن تعلمها كالسحر والكهانة والنجوم والنيرنجات ونحوها.

(2) في النهج [ إنى لما رأيتنى قد بلغت سنا ].
(3) في النهج [ بادرت بوصيتى إليك وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بى أجلى ].
(4) اشارة إلى أن الصبى اذا لم يؤدب الاداب في حداثته ولم ترض قواه لمطاوعة العقل وموافقته كان بصدد أن يميل القوى الحيوانية إلى مشتهياتها وينجذب في قياد هواه إلى الاشتغال بها فيفتنه ويصرفه عن الوجه الحقيقى وما ينبغى له فيكون حينئذ كالصعب النفور من الابل.

و وجه التشبيه أنه يعسر حمله على الحق وجذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور وتصريفه بحسب المنفعة.

(5) وذلك ليكون جد رأيك أى محققه وثابته مستعدا بقبول الحقائق التى وقف عليها أهل التجارب وكفوك طلبها.

والبغية بالكسر: الطلب.

وفى بعض النسخ [تعقله وتجربته].

(6) استبان اى.

ظهر وذلك لان العقل حفظ التجارب وإذا ضم رأيه إلى آرائهم ربما يظهر له ما لم يظهر لهم.

(7) النخيل: المختار المصفى.

وتوخيت أى تحريت.

(*)

التالي صفحة 69 من 515 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...