[صفحة م 3] [مقدمات التحقيق] [مقدمة المحقق الغفاري] شكر و تقدير بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الّذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، و الصّلاة على رسوله الأمين و آله الأئمّة الميامين، و السّلام علينا و على عباد اللّه الصّالحين. أمّا بعد: فقد راجعني صديقي الأعزّ الفاضل الألمعيّ «الحسين أستاد ولي» و سألني مصرّا و ألحّ عليّ كرارا أن أختار له كتابا من بين روائع- التراث المذهبيّ و اقلّده تحقيقه، ليعمله خدمة للحنيفيّة البيضاء، و إحياء لما دثر من مآثر الشّريعة الغرّاء، فتروّيت في ذلك زمانا، و ارتأيت فيه أيّاما (1)، فبعد أن آنست منه نور الولاء، و عاينت فيه آثار الجدّ و الوفاء، و شاهدت له آية الإخلاص، و وجدته أهلا لذلك بمراس، استصوبت مأموله، و استجبت مسئوله، و اخترت له هذا الأثر لكونه سمرا بلا سهر، و صفوا بلا كدر، أمتن المتون حبالا، و أرسخها جبالا، و أجملها آثارا، و أسطعها أنوارا، و أتقنها أخبارا، و هو في صغر حجمه سحابة غيمها نعمة سابغة، و غيثها حكمة بالغة، رقية لقلب السّليم (2) و راحة لصدر الكظيم، و شفاء لعين. الضرير (3) كقميص يوسف إذ جاء به البشير، و هو مع كونه قليل الأوراق
(1) تروّى في الامر أي تأمل. و ارتأى الامر أي نظر فيه و تدبره.[صفحة م 4] جؤنة حافلة بنفيس الأعلاق (1)، و في عدم نظم المواضيع يشبه عقدا منفصما تناثرت منه اللّئالي، و بساطا مبسوطا منشورة عليه الدّراري، و هذا هو شأن كتب الأمالي لأيّ أحد من العظماء الأقاصي منهم و الأداني. ترى فيه اللّؤلؤ و المرجان، و الدّرّ الوضّاء، و الحكمة البالغة، و البراهين الواضحة، و الدّروس الرّاقية. و امتاز عن غيره بإيراد التّاريخ الصّحيح من الحوادث المظلمة الّتي وقعت في الصدر الأوّل و ذكر موضع أهل البيت (عليهم السلام) فيها و ما أمروا أتباعهم بها و غير ذلك، و قد طوينا عن تفصيلها كشحا. و أمّا المطبوع منه سابقا فمن كثرة الأغلاط و التحريفات استترت شمسه بالسّحاب، و توارت أنجمه بالنّقاب، و اختفت غرّة وجهه بالحجاب، فعزّ على الباحث مرامه، و ابتعد عن الفهم الذكيّ صوابه، و استعصى على المطالع زمامه، و من أجل ذلك ترك مهجورا مغفولا عنه، و صار قدره مجهولا، فلا بدّ من القيام بواجب حقّه. فلمّا سمع منّي ذلك مصغيا إليه، أشرت عليه بإحيائه، و إناخة المطيّة بفنائه، و النّزول إلى ساحته، فسرّ بذلك، و تقبّله بقبول حسن، و أعرب عن رضاه بالّتي هي أحسن، فشرطت عليه أن يجوب آماقه (2) و يتتبّع أعماقه، و يضبط أصوله، و يحكم فصوله، و يفسّر غريبه، و يبيّن مجمله، و يعرّف مجهوله، و يميّز مشتركات رجاله، و أن يمشي في كلّ ذلك على ضوء الحقيقة، لا مشرّقا و لا مغرّبا، فاعتهد ذلك، و شمّر ذيل الجزم
(1) الجؤنة: حقيبة العطار، و الأعلاق جمع العلق- بكسر العين-: النفيس من كل شيء.[صفحة م 5] عن السّاق، و لم يأل جهدا، و بذل كلّ ما أطاق، ركب الصّعب و الذّلول، و تجشّم الحزن و السّهول (1)، و أخذ يدأب في العمل ليلا و نهارا، و راجعني مهما أعضل عليه الأمر متنا و رجالا، فأعنته مخلصا في حلّ الإعضال، و بذلت و سعي في رفع الإشكال، و بالجملة جهد جهده و أتى بكلّ ما عنده حتّى أخرج الكتاب و أبرزه بهذه الصّورة القشيبة (2)، و الحلية الزّاهرة النقيبة، منكشفا لبسه، مشرقة شمسه، زائلا قتامه (3)، منيرا بدره، منجليا ظلامه، مضيئة درره، متجلّية فصوصه، كأنّه عزم المعلّق أن لا يدع لباحث وراء- فحصه مطمعا، و لا لقوس تطلّبه منزعا، و أصبح أبرزه بحيث القارئ في غنية عن مراجعة شتّى الكتب لفهم ما حواه أو بيان ما احتواه، و سهّل بتعاليقه الأمر على من يريد المؤانسة لفوائده و المنافسة في شرف عوائده، مع أنّ المحشّي- أيّده اللّه- في اقتبال من شبابه، و حداثة من سنّه، و ريعان من عمره؛ و هو في نعومة أظفاره و بكورة أعماله تراه قد تضلّع في التنقيب و اضطلع في التحقيق، فحيّاه اللّه نعم الصّديق، و بيّاه نعم الصّاحب و الرّفيق، نسأل اللّه تعالى أن يزيد له في التأييد و التوفيق. على أكبر الغفّارى
(1) تجشم الامر: تكلفه على مشقة. و الحزن- بفتح المهملة و سكون الزاىالأرض الغليظة.
(2) القشيب: الجديد النظيف.[صفحة م 6] المؤلّف و الثناء عليه هو أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النّعمان الملقّب بالشّيخ المفيد- (رضوان اللّه عليه) - ابن عبد السّلام بن جابر بن النّعمان بن سعيد بن جبير بن وهيب بن هلال بن أوس بن سعيد بن سنان بن عبد الدّار بن الرّيّان بن فطر بن زياد ابن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن غلّة بن خالد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن غريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان المعروف بابن المعلّم. (فهرس الشّيخ ص 158). قال ابن حجر في لسان الميزان (ج 5 ص 368): «كان المفيد كثير التقشّف و التخشّع و الإكباب على العلم، تخرّج على جماعة، و برع في مقالة الإماميّة حتّى يقال: له على كلّ إمام منّة، كان أبوه معلّما بواسط و ولد بها و قتل بعكبرى. و يقال: إنّ عضد الدولة كان يزوره في داره و يعوده إذا مرض. و قال الشريف أبو يعلي الجعفريّ- و كان تزوّج بنت المفيد-: ما كان المفيد ينام من اللّيل إلّا هجعة، ثمّ يقوم يصلّي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن» اه. و نقل العماد الحنبليّ في شذراته (ج 3 ص 199) عن ابن أبي طيّ الحلبيّ أنّه قال: «هو شيخ من مشايخ الإماميّة، رئيس الكلام و الفقه و الجدل، و كان يناظر أهل كلّ عقيدة، مع الجلالة العظيمة في الدولة البويهيّة، و كان كثير الصّدقات، عظيم الخشوع، كثير الصّلاة و الصّوم، خشن اللّباس. كان عضد الدّولة ربما زار الشّيخ المفيد، و كان شيخا ربعة نحيفا أسمر، عاش ستّا و سبعين سنة، و له أكثر من مائتي مصنّف، جنازته مشهورة، شيّعه ثمانون ألفا من الرّافضة و الشيعة، و كان موته في شهر رمضان- (رحمه اللّه) -». و قال ابن النديم: «ابن المعلّم أبو عبد اللّه في عصرنا انتهت رئاسة متكلّمي
[صفحة م 7] الشيعة إليه» مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعا» (ص 266). و قال أيضا ص 293: «ابن المعلّم أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النّعمان في زماننا إليه انتهت رئاسة أصحابه من الشيعة الإماميّة في الفقه و الكلام و الآثار- الخ» هذا غيض من فيض. فظهر ممّا ذكر أنّ شيخنا المترجم له- (رضوان اللّه تعالى عليه) - كان متقدّما في كلّ فضيلة يتحلّى بها الإنسان الكامل من مآثر العلم و العمل، و هو كما قال مولاه عليّ (عليه السلام) «كونوا ينابيع العلم، مصابيح اللّيل، خلق الثّياب، جدد القلوب، تعرفوا به في السّماء، و تذكروا به في الأرض» بل هو مصداقه الأتمّ، و مرآته الأجلى. أمّا العلم فقول ابن حجر: «له على كلّ إمام منّة» سوى قوله ببراعته في مقالة الإماميّة و إكبابه على العلم، و قول ابن أبي طيّ: «كان رئيس الكلام و الفقه و الجدل». و أمّا العمل ففي العبادة قول أبي يعلى الجعفريّ: «ما كان ينام من الليل إلّا هجعة ثمّ يصلّي» فظهر منه أنّه كان «قائم اللّيل» فإنّ ناشئة اللّيل هي أشدّ وطأ و أقوم قيلا. و هو «صائم النّهار» لقول ابن أبي طيّ: «هو كثير الصّلاة و الصّوم». و أمّا الزّهد و التقشّف و التخشّع فقول ابن حجر: «كثير التقشّف» و التقشّف صفة المسيح (عليه السلام)، و التخشّع نعت زكريّا و يحيى و أمّه «يدعوننا رغبا و رهبا و كانوا لنا خاشعين». و أمّا الإنفاق فهو قول ابن أبي طيّ فيه إنّه «كان كثير الصّدقات، عظيم الخشوع، كثير الصّلاة و الصّوم». و أمّا المجاهدة في سبيل اللّه، فقولهم «له أكثر من مائتي مصنّف»
[صفحة م 8] سوى تدريسه و تعليمه حتّى آناء اللّيل كما قاله ابن أبي يعلى. كلّ ذلك ينبئ عن سداد إيمانه بالحقّ، و تنمّره في ذات اللّه تعالى، و تصلّبه في الدّين، و عمله لصميم الحقّ، و تفانيه في الولاء ولاء أيّ ولاء، و لاء النّبيّ و عترته، و صهره و ذرّيّته- (صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين) -. و تلاميذه و متخرّجو مدرسه جماعة بهم يفتخر الفخر و يتشرّف الدّهر، فما منهم إلّا قمر فضل دار في فلك العلم، و هلال مجد لاح في سماء الفهم و الجدّ و العمل. أمّا الفقاهة ففيهم مؤسّس اصولها و مبيّن فروعها. و أمّا البلاغة ففيهم من هو فارس ميدانها و ناظم دررها بعيقانها. و أمّا الكلام ففيهم من هو ابن- بجدته بل تاريخه و عنوانه و حدقته و إنسانه. و لكلّ منهم آراء و أقوال تعرض في حلي البيان، و تنقش في فصّ الزّمان تحفظ و تقرأ، و تذكر و تشكر على وجه الدّهر، و هو في كلّ ذلك رائش نبلهم، و نبعة فضلهم؛ و صار كلّ واحد منهم إماما يشار إليه، فسبحان واهبه ما أفضل ما أعطاه، ركّب أوّلا دوحته في قرار المجد، و غرس نبعته في محلّ الفضل، ثمّ منحه قريحة وقّادة مع دقّة الفطنة، و فضل النبوغ، و كمال العقل، و حدّة الذّكاء فصار في العلم و الفضيلة بحرا لا تعكره الدّلاء بشهادة الأعداء و إجماع الأولياء، تخاريجه كلّها جيّدة، و إلزاماته كلّها لازمة، و نظريّاته صائبة، استنار على صفحات الكتب آثار أفكاره النقّادة، و تلألأ في دياجير الشبهات أنوار قريحته الوقّادة. موضعه في أقرانه موضع الواسطة من العقد العسجديّ و يزيد عليهم زيادة الشّمس على البدر، و البحر على القطر، كأنّهم جسد هو قلبه، و فلك هو قطبه، إن طلب لم يسبق، و إن طلب لم يلحق، كان أحسنهم و صفا، و ألينهم عطفا، و أكثرهم نبلا، و أخشنهم لباسا، و أجشبهم طعاما، و أوفرهم من العقل حظّا، و أعلاهم في العلم كعبا، و أشدّهم في سبيل الحقّ اجتهادا.
[صفحة م 9] أرج الزّمان بفضله، و عقم النساء عن الإتيان بمثله، و أنّي لنا استكناه عظمته، كلّا، وصفه شأو لا تبلغه أشواطي، و لم أبلغ معشاره مهما بلغ إفراطي، فاعترف بالعجز و أقول: محلّه في العمل شاهق و مجده في العلم باسق. محلّ يطول النّجم كلّ مطال، و مجد يلحظ الجوزاء من عال، فسلام اللّه عليه كيف أصفه و هو كافل المجد و واحد الدّهر و غرّة الدّنيا و حسنة العالم. مشايخه الّذين روى عنهم- (رحمهم اللّه) - في هذا الكتاب
1- أبو محمّد [بن] عبد اللّه بن أبي شيخ- 246[صفحة م 10]
18- عليّ بن خالد المراغيّ القلانسيّ أبو الحسن- 58[صفحة م 11] مشايخه المذكورون في غير هذا الكتاب
37- أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع الصيمريّ (الفهرست 32)[صفحة م 12]
56- محمّد بن الحسين الخلّال أبو نصر (أمالي الشّيخ 114)تلامذته و الراوون عنه
1- السيّد المرتضى علم الهدى عليّ بن الحسين بن موسى الموسويّ[صفحة م 13]
15- الحسين بن عليّ النيشابوريّ (1).الديلميّ، أخذ عنه الفقه على مذهب الإماميّة (2). تآليفه القيمة
1- أحكام أهل الجمل، ذكره النجاشيّ باسم الجمل و هو غير «النصرة» الآتي ذكره[صفحة م 14]
10- الافتخار[صفحة م 15]
24- تفضيل أمير المؤمنين (عليه السلام) على سائر الأصحاب، و قد طبع في النجف 25- التمهيد[صفحة م 16]
47- جوابات البرقعيّ في فروع الفقه[صفحة م 17]
64- جوابات المسائل الموصليّات في العدد و الرؤية، أحال إليه في جوابات المسائل السرويّة، و نسخته شائعة[صفحة م 18]
80- الردّ على الزيديّة ذكره في الذريعة باسم مسائل الزيديّة[صفحة م 19]
99- العمد في الإمامة، ذكر السيّد ابن طاوس في الطرائف عند نقله عنه أنّ اسمه «العمدة».[صفحة م 20]
116- الكلام في الإنسان[صفحة م 21]
129- المزورين عن معاني الأخبار[صفحة م 22]
152- المسألة الموضحة في تزويج عثمان[صفحة م 23]
174- مناسك الحجّ[صفحة م 24] البهائيّ. و الّذي يظهر من السيّد ابن طاوس في كتاب اليقين في الباب الرابع و السبعين بعد المائة كونه نهج الحق حيث قال: «إنّ الشّيخ المفيد نسب الصاحب بن عبّاد إلى جانب المعتزلة في خطبة كتاب نهج الحقّ». و لعلّه غير نهج البيان و يحتمل اتّحادهما (1). ميلاده و وفاته و مدفنه ولد- (رحمه اللّه) - في 11 ذي القعدة بعكبرى من أعمال الدّجيل بالعراق سنة 333 أو 338، و توفّي ببغداد ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان سنة 413، و شيّعه ثمانون ألفا، و صلّى عليه الشّريف المرتضى أبو القاسم عليّ بن الحسين بميدان الأشنان، و ضاق على النّاس مع سعته، و دفن أوّلا في داره سنين ثمّ نقل إلى مقابر قريش و دفن بالقرب من الإمام أبي جعفر الجواد (عليه السلام) ممّا يلي الرّجلين إلى جانب قبر شيخه أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه. و تقدّم أنّ سنّه يومذاك 76 سنة و يظهر من تاريخ ميلاده و وفاته أنّ الصّحيح 75 سنة، فسلام عليه يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيّا. و إن أردت سرد جمل الثّناء عليه زائدا على ما ذكر راجع: سير النّبلاء ج 11 ص 76، فهرست الشّيخ الطوسيّ تلميذه، المنتظم لابن الجوزيّ ج 8 ص 11، النجوم الزّاهرة ج 4 ص 258، شذرات الذّهب ج 3 ص 199، عيون التواريخ لابن شاكر ج 13 ص 55/ 2، مرآة الجنان لليافعيّ ج 3 ص 199، إتقان المقال ص 131، روضات الجنّات ص 563، أعيان الشيعة ج 46 ص 20، الذّريعة ج 2 ص 209، جامع الرّواة ج 2 ص 189، رجال النجاشيّ ص 283، مختصر دول الإسلام ج 1 ص 191، منهج المقال ص 317، تاريخ الخطيب ج 3 ص 231، رجال المامقانيّ (تنقيح المقال) ج 3 ص 180، مصفّى المقال ص 423. على أكبر الغفّارى
(1) نقلنا ذكر تآليفه من مقدّمة التهذيب ص 22 الى 30 بقلم الحجة العلامة السيّد حسن الموسوى الخرسان، و منهج المقال ذيل ترجمة المؤلّف ص 317، 318.[صفحة م 25] [مقدمة المحقق الأستاد ولي] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد لمن خلق الإنسان، و علّمه البيان، و جعل العلم وزير الإيمان، و روّح الأنفس ببديع الحكمة فانّها تكلّ كما تكلّ الأبدان، و يقذفه في قلب من يشاء من عباده بعد التمحيص و الامتحان. و الصّلاة و السّلام على سيّد- الإنس و الجانّ محمّد المصطفى، و على آله الّذين هم كنوز الرّحمن، و فيهم نزل كرائم القرآن. أمّا بعد: قد أولهني منذ سنين اشتياقي إلى إحياء أثر قيّم من تراثنا الدّينيّ الذّهبيّ، و نشر عرفه الورديّ إلى الملأ الثّقافيّ المذهبيّ، حيث إنّ في انتشار ما أسلفت رجالات الهدى و قادة العلم و التّقى من مآثر آل البيت (عليهم السلام) إحياء لمثلى طريقتهم، و حثّا على اقتصاص آثارهم، و قياما بواجب حقوقهم و إشادة بجميل ذكرهم إلى غيرها ممّا يشاد به صرّح المدنيّة، و يقام علالي الحضارة الرّاقية، و يبثّ من الأخلاق الفاضلة و الآراء النّاضجة، و يعضد من دعائم- الاجتماع، و يوطّد من أسس الوئام. و كنت بذلك مشعوفا، قد ملأ قلبي حبّه، و أخذ بزمام نفسي شوقه، و كان ذلك مكنونا في سرّي، مضمرا في خلدي، و لم أجد للتّنبيه إليه مساغا، أو للإصحار به مجالا، و ما أظنّني في هذا الميل المفرط جانحا إلى خيال، أو محلقا في جواء من التصوّر الحالم، أو الوهم الهائم... لا، لا، بل أجد في نفسي شدّة حرّه و التهاب وجده. فمرّ عليّ بذلك أيّام و شهور، و كنت أغدو و أروح في فجوة الرّجاء، متى يدركني مدد ذي المنّ و العطاء، إذ ساعدني الفوز يوما بلقاء الأستاذ، المكبّ
[صفحة م 26] الدّءوب على تصحيح كتب الحديث، العارف بصريح اللّفظ من دخيله و بصحيحه من منتحله، ناشر آثار أهل بيت العصمة، المعتكف على بابهم، المغترف من مزنهم الميرزا على أكبر الغفّارى- أدام اللّه له سوابغ نعمه، و قرائن قسمه، و وصل له سوالفها بعواطفها، و رواهنها بروادفها- فذاكرت به جنابه، و سألته أن يشرّفني بتصحيح بعض المتون الخبريّة الّتي خلّدها التاريخ لعلمائنا الماضين- (رحمهم اللّه) - فوعدني بموعدة فسري بها عنّي، و اطمأنّ بها قلبي، و مكث غير بعيد إذ أمرني بتصحيح هذا الكتاب القيّم الفخم و تحقيقه و تنميقه، مع أنّه قد طبع مرّة بالنجف الأشرف حروفيّا و أخرى بقم المشرّفة بطريق الافست، و لكنّ الطبعة غير منقّحة، ذات أغلاط و أسقاط بحيث يسوّغ طبعا جديدا و عرضا مستأنفا. فتقبّلت منه بيد الإكرام، و شكرت جزيل ألطافه العظام، بيد أنّي وضعت نفسي في الميزان و لم أجدني من فرسان هذا الميدان، فتعذّرت إليه بقصر الباع و خشية النّقصان، فأبى إلّا أن يتحفني بهذه الكرامة، و عهد إليّ أن يعينني على هذا المشروع. فشرعت في المقصود مستمدّا من الملك المعبود، و تصفّحت عن نسخه، فأرسل إليّ غير واحد من الأعلام و الأفاضل الكرام بأربع نسخ الّتي ستقف على أوصافها، و جعلتها أصلا، و قابلتها بعين الدّقة و التّثبّت، و لم آل جهدا، و جعلت الصحيح متنا و ما خالفه هامشا، إلّا ما اتّفقت عليه النسخ فأثبّته في الصّلب و إن كان سقيما و أشرت إلى الصّواب ذيلا، ثمّ قابلت جلّ أخباره بمنقولها في البحار، و استفدت منه كثيرا في التوضيح و البيان، و جعلت له فهرسا عامّا يشمل كلّ ما احتواه من الأخبار. و الكتاب كما ترى أكثر أخباره من طرق العامّة، و أسانيدها مشتملة على كثيرين من رجالهم، و صحّف أكثرها بالتشابه الخطّيّ، و حرّف بعضها بتعكيس النّسبة و المنسوب، و كان جلّ ما فيها من نسبة الرّجل إلى الجدّ
[صفحة م 27] فيعسر الوقوف عليه جدّا، فكلّما أغلق عليّ في ذلك الباب و ضاق عليّ المخرج إلى صوب الصواب راجعت الأستاذ، فبذل- أيّده اللّه- بما عنده من جهد جهيد، و عمل بتكلّف شديد حتّى عيّن أكثرها، و ردّها على ما كانت في أوّلها، فجاء الكتاب- بحمد اللّه سبحانه- بهذه الصورة البهيّة المزدانة بالحواشي، خاليا من الأخطاء و الغواشي، مترجمة رجاله، مبيّنة لغاته، مضبوطة ألفاظه مصحّحة أغلاطه، إلّا ما زاغ عنه البصر، أو كلّ عنه النّظر. فالمرجوّ من القرّاء الكرام أن ينظروا فيه بعين الإنصاف، و يبتعدوا عن طريق الاعتساف، و من أوقفنا على سهو أو خطأ فيه فللّه درّه و عليه برّه، مضافا إلى ماله من شكرنا المتواصل و ثنائنا العاطر. تهران- حسين الأستاد ولى
7 ذى القعدة الحرام 1403- 25 مرداد ماه 1362[صفحة م 28] وصف النسخ عندي من الكتاب أربع نسخ مخطوطة و إليك تعريفها
1- نسخة عتيقة ثمينة مقروءة مصحّحة بإسقاط الأسناد لمكتبة المباركة الّتي أسّسها سماحة الحجّة الآية «السيّد شهاب الدّين النجفيّ المرعشيّ- مدّ ظلّه العالي- تقع في 134 صفحة طولها 27 سم في عرض 5/ 16، و طول كتابتها 21 سم في عرض 12، كلّ صفحة 25 سطرا، كاتبها: عليّ بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن مظاهر، تاريخ كتابتها: ثاني عشر من ذي القعدة من سنة خمس و خمسين و سبعمائة. و من المؤسف عليه أن النسخة ناقصة لفقد أوراق منها.«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم استكتبته لنفسي و أنا العبد الضعيف محمّد تقيّ ابن محمّد بن الحسين الشريف في 1295.
3- نسخة نفيسة مقروءة من جملة الكتب الموقوفة الّتي وقفها ميرزا أبو طالب القمّيّ- (رحمه اللّه) - تفضّل بإرسالها الحجّة الحاجّ السيّد حسن السيّديّ- مدّ ظلّه- تقع في 228 صفحة طولها 18 سم في عرض 12، طول كتابها 17 سم في عرض 7، كلّ صفحة 17 سطرا، و لم يذكر فيها كاتبها و لا تاريخها.[صفحة م 29] بها خلفه الصالح صديقي الأعزّ الفاضل المدقّق السيّد عليّ المحدّث- أدام اللّه تأييده-، تقع في 306 صفحة، طولها 22 سم في عرض 16، طول الكتابة 18 في عرض 11، كلّ صفحة 19 سطرا و أضيف في آخره تفسير النعمانيّ (ره)، و لم يذكر الكاتب اسمه و لا تاريخه، و يشبه خطّ النسخة جدّا بخطّ نسخة من جامع الرّواة و كتاب الغارات و التفصيل يطلب من الغارات ص فح من مقدّمته. هذا و نسخة مطبوعة بالنجف الأشرف، قابلها بنسختين ممّا عندنا و أشار إلى منقولات الكتاب في مجلّدات البحار و أمالي الطوسيّ الأستاذ البارع المحقّق حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ الحسن المصطفويّ- أدام اللّه ظلّه- و تفضّل سماحته بإرسالها، و عليه و علي الّذين وازرونا في هذا المشروع شكر متواصل غير مقطوع و لا ممنوع.
[صفحة 1]خطبة الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و الصلاة و السلام على السيد الكريم محمد بن عبد الله خاتم النبيين و آله الصراط المستقيم- الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) المجلس الأول مجلس يوم السبت مستهل شهر رمضان سنة أربع و أربعمائة بمدينة السلام في الزيارين (1) في درب رباح (2) منزل ضمرة أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن الفارسي (3) أدام الله عزه بإملائه من كتبه
1 حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْمُفِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَدَامَ اللَّهُ حَرَاسَتَهُ وَ تَوْفِيقَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ