فقال عليّ (عليه السلام): لقد أوحشني الله منك ومن جمعك، وآنس(1) بي كلّ مستوحش، وأمّا ابن الوليد الخاسر فإنّي أقصّ عليك نبأه، إنّه لمّا رأى تكاثف جنوده وكثرة جمعه زها في نفسه، فأراد الوضع منّي في موضع رفع ومحفل ذي جمع ليصول بذلك عند أهل الجمع، فوضعت منه عندما خطر بباله وهمّ به، وهو عارف بي حقّ معرفته وما كان الله ليرضى بفعله.
فقال له أبو بكر: فنضيف هذا إلى تقاعدك عن نصرة الإسلام، وقلّة رغبتك في الجهاد، فبهذا أمرك الله ورسوله، أم عن نفسك تفعل هذا؟
فقال له عليّ (عليه السلام): يا أبا بكر وعلى مثلي يتفقّه الجاهلون؟ انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمركم ببيعتي، وفرض عليكم طاعتي، وجعلني فيكم كبيت الله الحرام يؤتى ولا يأتي، فقال: يا عليّ ستغدر بك اُمّتي من بعدي كما غدرت الاُمم بعد مضيّ الأنبياء بأوصيائها إلاّ قليل، وسيكون لك ولهم بعدي هناة وهناة فاصبر، أنت كبيت الله من دخله كان آمناً ومن رغب عنه كان كافراً، قال الله عزوجل: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً}(2)، وانّي وأنت سواء إلاّ النبوّة، فإنّي خاتم النبيّين وأنت خاتم الوصيّين.
وأعلمني عن ربّي سبحانه بأنّي لست أسلّ سيفاً إلاّ في ثلاث مواطن بعد وفاته، فقال: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ولن يقرب أوان ذلك بعد، فقلت: فما أفعل يا رسول الله بمن ينكث بيعتي منهم ويجحد حقّي؟ قال: تصبر(3) حتّى تلقاني وتستسلم لمحنتك حتّى تلقى ناصراً عليهم.
فقلت: أفتخاف عليّ منهم أن يقتلوني؟ فقال: تالله لا أخاف عليك منهم قتلا ولا جراحاً، وانّي عارف بمنيتك وسببها وقد أعلمني ربّي، ولكنّي خشيت أن تفنيهم
____________[صفحة 271][صفحة 272] فلمّا سأله بذلك استحيى ـ وكان عليّ (عليه السلام) كثير الحياء ـ فجذب خالداً إليه وجعل يحذف(1) من الطوق قطعة قطعة، ويفتلها في يده فتفتل كالشمع، ثمّ ضرب بالاُولى رأس خالد ثمّ الثانية فقال: آه يا أمير المؤمنين، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قلتها على كره منك ولو لم تقلها لأخرجت الثالثة من أسفلك.
ولم يزل يقطع الحديد جميعه إلى أن أزاله من عنقه، وجعل الجماعة يكبّرون لذلك ويهلّلون ويتعجّبون من القوّة التي أعطاها الله سبحانه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وانصرفوا شاكرين [لذلك](2)(3).
[خبر الأشجع بن مزاحم الثقفي ـ لقاه الله غب عمله ـ] بحذف الاسناد مرفوعاً إلى جابر الجعفي قال: قلّد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلا من ثقيف يقال له: الأشجع بن مزاحم الثقفي وكان شجاعاً، وكان له أخ قتله عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في وقعة هوازن وثقيف، فلمّا خرج الرجل عن المدينة جعل أوّل قصده ضيعة من ضياع أهل البيت تُعرف بـ "بانقيا"(4).
____________وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله: وفي الرواية الاُخرى زيادة، وهي هذه: فانصرفت الجماعة شاكرين له وهم متعجبّون من ذلك، فقال أبو بكر: لا تعجبوا من أبي الحسن، والله لقد كنت بجنب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم قلع عليّ باب خيبر، فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ضحك حتّى بدت ثناياه، ثمّ بكى حتّى اخضلّت لحيته، فقلت: يا رسول الله أضحك وبكاء في ساعة واحدة؟ قال: نعم، أمّا ضحكي ففرحت بقلع عليّ باب خيبر، وأمّا بكائي فلعليّ (عليه السلام)، فإنّه ما قلعه إلاّ وهو صائم منذ ثلاثة أيّام على الماء القراح، ولو كان فاطراً على طعام لدحا به من وراء السور.
4- بانقيا: رستاق على أميال من المدينة، وهناك ناحية من نواحي الكوفة تسمّى بهذا الاسم أيضاً، كما ذكر ذلك في معجم البلدان 1: 331.