البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 171 من 907

[صفحة 171]

و مر موسى في الهزيمة مع الناس، فناداه الله: خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولى‏ََ (1)، فرجع موسى، و لف على يده عباءة كانت عليه، ثم أدخل يده في فيها، فإذا هي عصا كما كانت، فكان كما قال الله: فَأُلْقِيَ اَلسَّحَرَةُ سََاجِدِينَ لما رأوا ذلك، و قََالُوا آمَنََّا بِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ* `رَبِّ مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ، فغضب فرعون عند ذلك غضبا شديدا، و قال: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ يعني موسى اَلَّذِي عَلَّمَكُمُ اَلسِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاََفٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فقالوا، كما حكى الله:

لاََ ضَيْرَ إِنََّا إِلى‏ََ رَبِّنََا مُنْقَلِبُونَ* `إِنََّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنََا رَبُّنََا خَطََايََانََا أَنْ كُنََّا أَوَّلَ اَلْمُؤْمِنِينَ.

فحبس فرعون من آمن بموسى في السجن، حتى أنزل الله عليهم الطوفان، و الجراد، و القمل، و الضفادع، و الدم، فأطلق فرعون عنهم فأوحى الله إلى موسى: أَنْ أَسْرِ بِعِبََادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، فخرج موسى ببني إسرائيل، ليقطع بهم البحر، و جمع فرعون أصحابه، و بعث في المدائن حاشرين، و حشر الناس، و قدم مقدمته في ست مائة ألف، و ركب هو في ألف ألف، و خرج كما حكى الله عز و جل: فَأَخْرَجْنََاهُمْ مِنْ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ كُنُوزٍ وَ مَقََامٍ كَرِيمٍ* `كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا بَنِي إِسْرََائِيلَ* `فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ، فلما قرب موسى من البحر، و قرب فرعون من موسى، قال أصحاب موسى: إِنََّا لَمُدْرَكُونَ، قال موسى: كَلاََّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ أي سينجيني: فدنا موسى (عليه السلام) من البحر، فقال له: انفلق، فقال البحر له: استكبرت-يا موسى-أن تقول لي أنفلق‏ (2) لك، و لم أعص الله طرفة عين، و قد كان فيكم المعاصي؟فقال له موسى: فأحذر أن تعصي الله و قد علمت أن آدم اخرج من الجنة بمعصيته، و إنما إبليس لعن بمعصيته، فقال البحر: ربي عظيم، مطاع أمره، و لا ينبغي لشي‏ء أن يعصيه.

فقام يوشع بن نون، فقال لموسى: يا رسول الله، ما أمرك ربك؟قال: بعبور البحر. فاقتحم يوشع فرسه في الماء، فأوحى الله إلى موسى: أَنِ اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْبَحْرَ، فضربه فَانْفَلَقَ فَكََانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ اَلْعَظِيمِ، أي كالجبل العظيم، فضرب له في البحر اثني عشر طريقا، فأخذ كل سبط منهم في طريق، فكان الماء قد ارتفع، و بقيت الأرض يابسة، طلعت فيها الشمس، فيبست، كما حكى الله: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي اَلْبَحْرِ يَبَساً لاََ تَخََافُ دَرَكاً وَ لاََ تَخْشى‏ََ (3). و دخل موسى و أصحابه البحر، و كان أصحابه اثني عشر سبطا، فضرب الله لهم في البحر اثنى عشر طريقا، فأخذ كل سبط في طريق، و كان الماء قد ارتفع على رؤوسهم مثل الجبال، فجزعت الفرقة التي كانت مع موسى (عليه السلام) في طريقه، فقالوا: يا موسى أين إخواننا؟فقال لهم: معكم في البحر. فلم يصدقوه، فأمر الله البحر، فصارت طاقات، حتى كان ينظر بعضهم إلى بعض، و يتحدثون. و أقبل فرعون و جنوده، فلما انتهى إلى البحر، قال لأصحابه: ألا تعلمون أني ربكم الأعلى؟قد فرج لي

____________
(1) طه 20: 21.
(2) في «ط» : أنفرق انفرق. و في «ي» افترق افترق.
(3) طه 20: 77.
التالي صفحة 171 من 907 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...