رسول الله (صلى الله عليه و آله) يناظرهم إذا عانتوه و يحاجهم؟ قال: بلى، مرارا كثيرة: منها ما حكى الله من قولهم: وَ قََالُوا مََا لِهََذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعََامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْوََاقِ لَوْ لاََ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ إلى قوله: مَسْحُوراً (1) وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلىََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (2) وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله كِتََاباً نَقْرَؤُهُ. ثم قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبيا كموسى لنزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إياك، لأن مسألتنا أشد من مسائل (3) قوم موسى لموسى (عليه السلام)، قال: و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة إذا اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم: الوليد بن المغيرة المخزومي، و أبو البختري بن هشام، و أبو جهل ابن هشام، و العاص بن وائل السهمي، و عبد الله بن أبي امية المخزومي، و جمع ممن يليهم كثير، و رسول الله (صلى الله عليه و آله) في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله، و يؤدي إليهم (4) عن الله أمره و نهيه. فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمد و عظم خطبه، فتعالوا نبدأ بتقريعه و تبكيته و توبيخه، و الاحتجاج عليه، و إبطال ما جاء به، ليهون خطبه على أصحابه، و يصغر قدره عندهم، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه و باطله و تمرده و طغيانه، فإن انتهى و إلا عاملناه بالسيف الباتر.
فقال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه و مجادلته (5)؟قال عبد الله بن أبي امية المخزومي: أنا لذلك أما ترضاني له قرنا (6) حسيبا، و مجادلا (7) كفيا؟قال أبو جهل: بلى، فأتوه بأجمعهم، فابتدأ عبد الله بن أبي امية المخزومي، فقال: يا محمد، لقد ادعيت دعوى عظيمة، و قلت مقالا هائلا، زعمت أنك رسول الله رب العالمين، و ما ينبغي لرب العالمين و خالق الخلق[أجمعين]أن يكون مثلك رسولا له، بشر مثلنا تأكل كما نأكل و تشرب كما نشرب، و تمشي في الأسواق كما نمشي، فهذا ملك الروم و هذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير مال، عظيم حال، له قصور و دور (8) و فساطيط و خيام و عبيد و خدم، و رب العالمين فوق هؤلاء كلهم أجمعين فهم عبيده، و لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك و نشاهده، بل و لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا، ما أنت-يا محمد-إلا مسحورا و لست بنبي.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هل بقي من كلامك شيء؟قال: بلى، لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث
____________