نقصع (1) البعير بأطراف الرماح، فيوشك أن يقطعه بين الدكادك (2) إربا إربا. قال صاحب رأيهم: إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا، أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الأفاريق، فأخذ بقلوبهم بسحره و بيانه و طلاقة لسانه، فصبا القوم إليه و استجاب له القبائل قبيلة بعد قبيلة، فليسيرن حينئذ إليكم بالكتائب و المقانب (3)، فلتهلكن كما هلكت إياد و من كان قبلكم، قولوا قولكم.
فقال له أبو جهل: لكن أرى لكم رأيا سديدا، و هو أن تعمدوا إلى قبائلكم العشر، فتنتدبوا من كل قبيلة رجلا نجدا (4)، ثم تسلحوه حساما عضبا (5)، و تمهد الفتية حتى إذا غسق الليل و غور (6)، بيتوا بابن أبي كبشة بياتا، فتفرق (7) دمه في قبائل قريش جميعا، فلا يستطيع بنو هاشم و بنو المطلب مناهضة قبائل قريش جميعا في صاحبهم، فيرضون منا الدية فنعطيهم ديتين (8). فقال صاحب رأيهم: أصبت، يا أبا الحكم. ثم أقبل عليهم، فقال:
هذا الرأي فلا تعدلن به رأيا، و أوكئوا (9) في ذلك أفواهكم حتى يستتب أمركم.
فخرج القوم عزين (10)، و سبقهم بالوحي بما كان من كيدهم جبرئيل (عليه السلام)، فتلا هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه و آله): وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ فلما أخبره جبرئيل (عليه السلام) بأمر الله في ذلك و وحيه و ما عزم له من الهجرة، دعا رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام)، و قال له: «يا علي، إن الروح الأمين هبط علي بهذه الآية آنفا، يخبرني أن قريشا اجتمعت على المكر بي و قتلي، و إنه أوحي إلي عن ربي عز و جل أن أهجر دار قومي، و أن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، و إنه أمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي-أو قال: مضجعي-ليخفى بمبيتك عليهم أثري، فما أنت قائل و صانع؟». فقال علي (صلوات الله عليه): «أو تسلمن بمبيتي هناك، يا نبي الله؟». قال: «نعم». فتبسم علي (صلوات الله عليه) ضاحكا، و أهوى لله إلى الأرض ساجدا، شكرا لله لما أنبأه (11) به رسول الله (صلى الله عليه و آله) من سلامته، و كان علي (صلوات الله عليه) أول من سجد لله شكرا، و أول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلما رفع رأسه قال له: «أمض بما أمرت، فداك سمعي و بصري و سويداء قلبي، و مرني بما شئت،
____________