البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 357 من 802

[صفحة 357]

ينظر إلى آدم في جلالته، و إلى شيث في حكمته، و إلى إدريس في نباهته و مهابته، و إلى نوح في شكره لربه و عبادته، و إلى إبراهيم في وفائه و خلته، و إلى موسى في بغض كل عدو لله و منابذته، و إلى عيسى في حب كل مؤمن و حسن معاشرته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب هذا. فأما المؤمنون فازدادوا بذلك إيمانا، و أما المنافقون فازداد نفاقهم، فقال الأعرابي: يا محمد، هكذا مدحك لابن عمك، إن شرفه شرفك، و عزه عزك، و لست أقبل من هذا شيئا إلا بشهادة من لا تحتمل شهادته بطلانا و لا فسادا، بشهادة هذا الضب. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا أخا العرب، فأخرجه من جرابك لتستشهده، فيشهد لي بالنبوة، و لأخي هذا بالفضيلة. فقال الأعرابي: لقد تعبت في اصطياده، و أنا خائف أن يطفر (1) و يهرب. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا تخف، فإنه لا يطفر، بل يقف و يشهد لنا بتصديقنا و تفضيلنا. فقال الأعرابي: إني أخاف أن يطفر. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فإن طفر فقد كفاك به تكذيبا لنا، و احتجاجا علينا، و لن يطفر، و لكنه سيشهد لنا بشهادة الحق، فإذا فعل ذلك فخل سبيله فإن محمدا يعوضك عنه ما هو خير لك منه. فأخرجه الأعرابي من الجراب، و وضعه على الأرض، فوقف و استقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و مرغ خديه في التراب، ثم رفع رأسه، و أنطقه الله تعالى، فقال: أشهد أن إله إلا الله، وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله و صفيه و سيد المرسلين، و أفضل الخلق أجمعين، و خاتم النبيين، و قائد الغر المحجلين، و أشهد أن أخاك علي بن أبي طالب على الوصف الذي وصفته، و بالفضل الذي ذكرته، و أن أولياءه في الجنان مكرمون (2)، و أن أعداءه في النار خالدون (3). فقال الأعرابي و هو يبكي: يا رسول الله، و أنا أشهد بما شهد به هذا الضب، فقد رأيت و شاهدت و سمعت ما ليس لي عنه معدل و لا محيص. ثم أقبل الأعرابي إلى اليهود، فقال: ويلكم، أي آية بعد هذه تريدون؟!و معجزة بعد هذه تقترحون؟!ليس إلا أن تؤمنوا أو تهلكوا أجمعين، فآمن أولئك اليهود كلهم، و قالوا: عظمت بركة ضبك علينا، يا أخا العرب. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا أخا العرب، خل الضب على أن يعوضك الله عز و جل عنه ما هو خير منه، فإنه ضب مؤمن بالله و برسوله، و بأخي رسوله، شاهد بالحق، ما ينبغي أن يكون مصيدا و لا أسيرا، لكنه يكون مخلى سربه (4) [تكون له مزية]على سائر الضباب، بما فضله الله أميرا. فناداه الضب: يا رسول الله، فخلني و ولني تعويضه لأعوضه. فقال الأعرابي: و ما عساك تعوضني؟

____________
(1) طفر: وثب في ارتفاع. «لسان العرب-طفر-4: 502» .
(2) في المصدر: يكرمون.
(3) في المصدر، و «ط» نسخة بدل: يهانون.
(4) السّرب: الطريق. «لسان العرب-سرب-1: 464» .
التالي صفحة 357 من 802 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...