البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 327 من 802

[صفحة 327]

ولداننا، و أشرفنا على الهلكة؛ فبعث الله تعالى لهم وابلا هطلا سحا (1)، ملأ حياضهم و آبارهم و أنهارهم و أوعيتهم و ظروفهم، فقالوا: هذه إحدى الحسنيين؛ ثم أشرفوا من سطوحهم على العساكر المحيطة بهم، فإذا المطر قد آذاهم غاية الأذى، و أفسد أمتعتهم و أسلحتهم و أموالهم، فانصرف عنهم لذلك بعضهم، لأن ذلك المطر أتاهم في غير أوانه، في حمارة القيظ (2)، حين لا يكون مطر. فقال الباقون من العساكر: هبكم سقيتم، فمن أين تأكلون؟و لئن انصرف عنكم هؤلاء، فلسنا ننصرف حتى نقهركم على أنفسكم و عيالاتكم، و أهاليكم و أموالكم، و نشفي غيظنا منكم. فقالت اليهود: إن الذي سقانا بدعائنا بمحمد و آله قادر على أن يطعمنا، و إن الذي صرف عنا من صرفه، قادر على أن يصرف عنا الباقين. ثم دعوا الله بمحمد و آله أن يطعمهم، فجاءت قافلة عظيمة من قوافل الطعام قدر ألفي جمل و بغل و حمار موقرة (3) حنطة و دقيقا، و هم لا يشعرون بالعساكر، فانتهوا إليهم و هم نيام، و لم يشعروا بهم، لأن الله تعالى ثقل نومهم حتى دخلوا القرية، و لم يمنعوهم، و طرحوا (4) أمتعتهم و باعوها منهم فانصرفوا و بعدوا، و تركوا العساكر نائمة ليس في أهلها عين تطرف، فلما بعدوا انتبهوا، و نابذوا (5) اليهود الحرب، و جعل يقول بعضهم لبعض: الوحى الوحى (6)، فإن هؤلاء اشتد بهم الجوع و سيذلون لنا. قال لهم اليهود: هيهات، بل قد أطعمنا ربنا و كنتم نياما، جاءنا من الطعام كذا و كذا، و لو أردنا قتالكم (7) في حال نومكم لتهيأ لنا، و لكنا كرهنا البغي عليكم، فانصرفوا عنا، و إلا دعونا عليكم بمحمد و آله، و استنصرنا بهم أن يخزيكم كما قد أطعمنا و سقانا؛ فأبوا إلا طغيانا، فدعوا الله تعالى بمحمد و آله و استنصروا بهم، ثم برز الثلاثمائة إلى ثلاثين ألفا (8)، فقتلوا منهم و أسروا و طحطحوهم (9)، و استوثقوا منهم بأسرائهم، فكان لا ينالهم (10) مكروه من جهتهم، لخوفهم على من لهم في أيدي اليهود؛ فلما ظهر محمد (صلى الله عليه و آله) حسدوه، إذ كان من العرب، فكذبوه. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هذه نصرة الله تعالى لليهود على المشركين بذكرهم لمحمد و آله، ألا فاذكروا -يا أمة محمد-محمدا و آله عند نوائبكم و شدائدكم، لينصر الله به ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم،

____________
(1) سحّ الماء سحّا: سال من فوق. «الصحاح-سحح 1: 373» .
(2) حمارّة القيظ: شدّة حرّه. «مجمع البحرين-حمر-3: 276» .
(3) الوقر: الحمل. «الصحاح-وقر-2: 848» .
(4) في المصدر زيادة: فيها.
(5) نابذه الحرب: كاشفه. «الصحاح-نبذ-2: 571» .
(6) الوحى: السرعة، و يقال الوحى الوحى، يعني البدار البدار. «الصحاح-وحى-6: 2520» .
(7) في «ط» نسخة بدل: قتلكم.
(8) في المصدر: إلى النّاس للقاء.
(9) طحطحت الشيء: كسّرته و فرقته.. «الصحاح-طحح-1: 386» .
(10) في المصدر: فكانوا لا ينداهم.
التالي صفحة 327 من 802 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...