بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والثمانون 86 · صفحة 126 من 391

[صفحة 126]

المبالغة في الإتيان به و عدم المساهلة فيه كما أنه إذا قال المولى لعبده امض إلى فلان يفهم منه الوجوب و إذا قال اسع و عجل و اهتم كان آكد من الأول و أدل على الوجوب قال في مجمع البيان أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متشاغلين عن قتادة و ابن زيد و الضحاك و قال الزجاج فامضوا إلى السعي الذي هو الإسراع و قرأ عبد الله بن مسعود فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ و روي ذلك عن علي بن أبي طالب(ع)و عمر و أبي و ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله(ع)و قال ابن مسعود لو علمت الإسراع لأسرعت حتى يقع ردائي من كتفي و قال الحسن ما هو السعي على الأقدام و قد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا و عليهم السكينة و الوقار و لكن بالقلوب و النية و الخشوع. (1) و كل ذلك مما يؤكد الوجوب فإن المراد به شدة العزم و الاهتمام و إخلاص النية فيه فإنه أقرب المجازات إلى السعي بالأقدام بل هو مجاز شائع يعادل الحقيقة قال في الكشاف قيل المراد بالسعي القصد دون العدو و السعي التصرف في كل عمل و منه قوله تعالى‏ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ‏ وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ (2)

____________
(1) مجمع البيان ج 10 ص 288.
(2) الصافّات: 109 النجم: 40، و لكن المراد من السعى في الآية الأولى هو السعى بين الصفا و المروة قطعا، و ذلك لان إبراهيم ص و ابنه إسماعيل بعد ما فرغا من رفع قواعد البيت دعوا اللّه عزّ و جلّ و قالا: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ ... وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ (البقرة: 128).

فاستجاب اللّه دعاءهما فكان يرى إبراهيم مناسك البيت في منامه (على ما كان يريه اللّه عزّ و جلّ ملكوت السماوات و الأرض) فيمتثل إبراهيم خليل اللّه نسكه و يتبعه في ذلك إسماعيل ولده حتّى إذا بلغ معه السعى بين الصفا و المروة قال له إبراهيم: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى‏؟ و انما ائتمر معه لان ذبحه قربانا و نسيكة انما يتحقّق بتسليمه.

فقد كان رؤية ذبحه إسماعيل تماما لمناسك الحجّ التي كان يراها في منامه، كما ينص عليه روايات الفريقين، و لا يناسب ذلك الا بأن يكون المراد بالسعى هو السعى بين الصفا و المروة، كما بيناه لك، و من حمل السعى في الآية على غير ذلك من المعاني غير المناسبة يبقى عليه توجيه قوله تعالى «معه» فان الكلمة تصير لغوا لا فائدة في ذكرها أبدا.

التالي صفحة 126 من 391 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...