و قال سبحانه فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (1)
____________قال عزّ و جلّ: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ (اشارة الى ما نزل في صدر السورة من أمره (ص) بقيام الليل في هذه الأوقات المعينة ثلاث مرّات متهجدا ثمّ أمره بترتيل القرآن سورة بعد سورة حتّى يأتي على آخرها في تمام تهجده) وَ (هكذا يعلم أنّه تقوم) طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ (رغبة في حسن ثواب اللّه من المقام المحمود، و اقتداء و تأسيا بك رجاء للّه و في اليوم الآخر، لكنه ليس لهم طاقة كطاقتك. و لا رغبة كرغبتك، و لا هم يحفظون و يتذكرون سور القرآن بتمامها) وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ (فتارة يقصر الليل و يطول النهار و تارة بالعكس، فلا يسع الوقت لقراءة القرآن بتمام سورة).
(و على أي حال و علة) عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ (أى لن تحصوا القرآن بقراءة تمام سورة و ترتيله سورة سورة، خصوصا في مستقبل أمركم حيث ينزل عليكم سائر القرآن بسوره السبع الطوال و المثانى و المئين و المفصل) فَتابَ عَلَيْكُمْ (و خفف عنكم حيث كتب على نفسه الرحمة من تشريع دين سمحة سهلة) فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (أى فلا يلزمكم بعدئذ أن ترتلوا القرآن بتمامه سورة بعد سورة، بل اقرءوا ما تيسر لكم من سور القرآن، كل بحسب حاله و فراغه و ذكره حتّى لا يختل عليكم أمر المعاد و المعاش، و النوم و اليقظة.
فالمراد من قوله عزّ و جلّ: «ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ»- بقرينة لفظ اليسر و المقابلة بقوله «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» هو سورة كاملة يتيسر قراءتها و يكون تذكرها و حفظها و تعلمها و ترتيلها سهلا يسيرا، كل على حسب حاله، كما صرّح بذلك في قوله عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» حيث نزل القرآن سورة سورة و جعل لكل سورة نسقا و نضدا في ترتيب آياتها، فمن كان ذا ذكر قوى يقدر أن يحفظ أمثال سورة البقرة من السبع الطوال، و من كان على دون ذلك يحفظ أمثال سورة الحجر من المئين و من كان دون ذلك يحفظ أمثال سورة الرحمن من المفصل، و من كان يغلب عليه النسيان فلا أقل من أنّه يحفظ السور القصار. و قد كان تنبه لذلك من المتقدمين ابن سيرين حيث قال لرجل: لا تقل سورة خفيفة، و لكن قل سورة ميسرة لان اللّه يقول: «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ» أخرجه ابن المنذر عنه على ما في الدّر المنثور ج 6 ص 135. ثمّ قال عزّ و جلّ: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى (فيشغله هم الوجع من قراءة القرآن) وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ (عند أسفارهم) يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (فليس لهم كثير فراغ) وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (اشارة الى ما سيئول إليه أمر الإمامة بالقتال مع المشركين فيخافون أن يفتنهم الذين كفروا) فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ (فى هذه الحالات، فانه لا أقل من قراءة سورة واحدة خفيفة يسيرة كسورة النصر ثلاث آيات، و من رغب عن قراءة القرآن مطلقا فلا صلاة له على أي حالة كانت. و لا يذهب عليك أن هذا الحكم كان قبل نزول قوله تعالى في سورة الحجر:
«وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» الآية: 87، و بعد ما نزلت الآية و جعل سورة الفاتحة في قبال القرآن العظيم كأنّها في كفة و القرآن العظيم في كفة، اختارها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بدلا من قراءة قرآن كامل، و جعلها في أول الركعة، و قال: لا صلاة الا بفاتحة الكتاب و خير المصلين على ما خيرهم اللّه في آية المزّمّل بقراءة سورة ميسرة بعدها على حسب حالهم حتى أنّه يمكنهم أن يجتزءوا من قراءة السورة بقراءة الحمد في حال المرض و السفر، فان الفاتحة أيضا سورة ميسرة، و الحمد للّه ربّ العالمين.