باب 97 حد المرتد و أحكامه و فيه أحكام قتل الخوارج و المخالفين
الآيات البقرة وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (1) آل عمران كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ
____________أقول: المراد بقرينة ساير الآيات الواردة في مورد الحبط و هكذا نفس الآيات المبحوث عنها أن المراد من الحبط هو ايقاف العمل و توقيفه بمعنى أنّه لا يترتب عليه أثر العمل من حيث الاثابة حكما موقتا، أي ما دام العمل محبوطا، و لازم معنى الحبط هذا أنّه إذا تاب المتخلف و رجع عن فعله المحبط خرج العمل عن الحبط و ترتب عليه آثاره كملا، الا إذا مات المرتد على كفره كما فرض في هذه الآية «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ» الخ أو فعل فعلا لا يقبل اللّه معه توبته كما فرض في آية آل عمران: 22 «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ» فلا توبة حتّى يخرج العمل عن الحبط، فيكون الحبط تاما دائما في الدنيا و الآخرة كما حكم به في الآية. و الحبط بهذا المعنى أعنى الايقاف و التوقيف شايع في الحكومات، مؤيد بالعقل فانكار المنكرين من المتكلّمين انما هو لاجل أنهم لم يتحققوا معنى الحبط الذي ورد في القرآن العزيز. و هذا المعنى مصرح به في الروايات منها ما عن الدعائم ج 2 ص 481 عن أبي جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) أنّه قال من كان مؤمنا يعمل خيرا، ثمّ أصابته فتنة فكفر ثمّ تاب بعد كفره كتب له كل شيء عمل في ايمانه، فلا يبطله كفره إذا تاب بعد كفره.
مثال ذلك عند الحكومات: أن الرجل يحل عليه الدين فلا يؤديه، فيحتكم الدائن عند الحكومة، فيحكم له بتوقيف دار المديون حتّى يخرج عن دينه فلا يمكن من التصرف فيها حتّى إذا خرج المديون عن دينه و أدى ما عليه حكم الحاكم بالغاء التوقيف فصار يتمكن من التصرف في داره كما كان قبل ذلك. و مثل ذلك أن الرجل يثور على الحكومة بالطغيان، فلا ينجح ثورته، فيفر الى خارج الثغر حصنا لدمه، فيحكم الحكومة بمصادرة أمواله، أو توقيفها حتّى يستسلم، و قد يكون بعد استسلامه و توبته يحكم الحاكم بلغو المصادرة و التوقيف، و لا بدع في ذلك، فانه نحو من العقوبة.
فالحبط هو الغاء الاثر من حيث الانتفاع بالعمل، و هو جار في المؤمنين، و أمّا البطلان من رأس كما توهمه المتكلمون فهو يختص بالكفار كما قال اللّه عزّ و جلّ «أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» هود: 16، و قال حاكيا عن موسى (ع) حين قال قومه «اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ»: «إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» الأعراف: 139، كما عبر عنهم كثيرا بالمبطلين. و قولهم في توجيه ما ورد من ذلك في الآيات «أنها صارت بمنزلة ما لم يكن لإيقاعهم اياها على خلاف الوجه المأمور به، و أن الثواب في علمه تعالى على ذلك العمل مشروط بعدم وقوع الفسق الفلانى أو الكفر بعد الايمان بعده» غير مقبول بعد ما كان العمل في ظرفه صحيحا واجدا لشرائطه، ففي قوله تعالى «لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ» الحجرات: 2، حكم بحبط أعمالهم الصحيحة المقبولة التي استحقوا على فعلها الثواب عند الجهر بندائه (ص) من دون أن يشعروا أنفسهم بأنهم فعلوا ما يحبط الاعمال. على أن الآيات التي وردت في الحبط كلها تتضمن أن الاعمال المحبوطة كانت صحيحة مقبولة ذات ثواب و جزاء حسن، و الا لم يكن في حبطها ضرر عليهم حيث لم يكونوا لينتفعوا بها قبل الحبط أيضا.
فاذا تحقّق معنى الحبط كانت الآية حاكمة بأن من ارتد عن دينه و مات كافرا، حبطت أعماله و تجب البراءة عنه، و أمّا إذا رجع عن ارتداده فهل يقبل توبته أم لا، فسنتعرض له في الآيات الآتية بعدها.