بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس والسبعون 75 · صفحة 393 من 463

[صفحة 393]

يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْ‏ءٍ إِلَّا- وَاسَاهُ فِيهِ وَ صَبَرَ عَلَيْهِ- وَ مَا أَظُنُّ الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ إِلَّا خَيْراً مِمَّا نَحْنُ فِيهِ- فَقُمْ إِذَا بَدَا لَكَ فَفَعَلَ الْوَزِيرُ ذَلِكَ- فَتَخَلَّى عَنْ نَفْسِ الْمَلِكِ مَا كَانَ فِيهَا عَلَيْهِ- ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ بِنَفْيِ النُّسَّاكِ مِنْ جَمِيعِ بِلَادِهِ- وَ تَوَعَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ فَجَدُّوا فِي الْهَرَبِ وَ الِاسْتِخْفَاءِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مُتَصَيِّداً- فَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى شَخْصَيْنِ مِنْ بَعِيدٍ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَأُتِيَ بِهِمَا فَإِذَا هُمَا نَاسِكَانِ فَقَالَ لَهُمَا- مَا بَالُكُمَا لَنْ تَخْرُجَا مِنْ بِلَادِي- قَالا قَدْ أَتَتْنَا رُسُلُكَ وَ نَحْنُ عَلَى سَبِيلِ الْخُرُوجِ- قَالَ وَ لِمَ خَرَجْتُمَا رَاجِلَيْنِ- قَالا لِأَنَّا قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لَيْسَ لَنَا دَوَابُّ- وَ لَا زَادٌ وَ لَا نَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ إِلَّا بِالتَّقْصِيرِ- قَالَ الْمَلِكُ إِنَّ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ أَسْرَعَ بِغَيْرِ دَابَّةٍ- وَ لَا زَادٍ فَقَالا لَهُ إِنَّا لَا نَخَافُ الْمَوْتَ- بَلْ لَا نَنْظُرُ قُرَّةَ عَيْنٍ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا فِيهِ- قَالَ الْمَلِكُ وَ كَيْفَ لَا تَخَافَانِ الْمَوْتَ- وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنَّ رُسُلَنَا لَمَا أَتَتْكُمُ- وَ أَنْتُمْ عَلَى سَبِيلِ الْخُرُوجِ- أَ فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ- قَالا إِنَّ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ لَيْسَ مِنَ الْفَرَقِ‏ (1)- فَلَا تَظُنُّ أَنَّا فَرَقْنَاكَ- وَ لَكِنَّا هَرَبْنَا مِنْ أَنْ يعينك [نُعِينَكَ عَلَى أَنْفُسِنَا- فَأَسِفَ الْمَلِكُ وَ أَمَرَ بِهِمَا أَنْ يُحْرَقَا بِالنَّارِ- وَ أَذِنَ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأَخْذِ النُّسَّاكِ وَ تَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ- فَتَجَرَّدَ رُؤَسَاءُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فِي طَلَبِهِمْ- وَ أَخَذُوا مِنْهُمْ بَشَراً كَثِيراً وَ أَحْرَقُوهُمْ بِالنَّارِ- فَمِنْ ثَمَّ صَارَ التَّحْرِيقُ سُنَّةً بَاقِيَةً فِي أَرْضِ الْهِنْدِ- وَ بَقِيَ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْأَرْضِ- قَوْمٌ قَلِيلٌ مِنَ النُّسَّاكِ كَرِهُوا الْخُرُوجَ مِنَ الْبِلَادِ- وَ اخْتَارُوا الْغَيْبَةَ وَ الِاسْتِخْفَاءَ- لِيَكُونُوا دُعَاةً وَ هُدَاةً لِمَنْ وَصَلُوا إِلَى كَلَامِهِ- فَنَبَتَ ابْنُ الْمَلِكِ أَحْسَنَ نَبَاتٍ فِي جِسْمِهِ وَ عَقْلِهِ وَ عِلْمِهِ وَ رَأْيِهِ- وَ لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْآدَابِ- إِلَّا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مَوْتٍ- وَ لَا زَوَالٍ وَ لَا فَنَاءٍ وَ أُوتِيَ الْغُلَامُ مِنَ الْعِلْمِ- وَ الْحِفْظِ شَيْئاً كَانَ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْعَجَائِبِ- وَ كَانَ أَبُوهُ لَا يَدْرِي أَ يَفْرَحُ بِمَا أُوتِيَ ابْنُهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَحْزَنُ لَهُ- لِمَا يَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَهُ ذَلِكَ إِلَى مَا قِيلَ فِيهِ- فَلَمَّا فَطَنَ الْغُلَامُ بِحَصْرِهِمْ إِيَّاهُ فِي الْمَدِينَةِ- وَ مَنَعَهُمْ إِيَّاهُ مِنَ الْخُرُوجِ وَ النَّظَرِ وَ الِاسْتِمَاعِ- وَ تَحَفُّظِهِمْ عَلَيْهِ ارْتَابَ لِذَلِكَ وَ سَكَتَ عَنْهُ- وَ قَالَ فِي نَفْسِهِ هَؤُلَاءِ أَعْلَمُ بِمَا

____________
(1) الفرق- محركة-: الخوف.
التالي صفحة 393 من 463 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...