بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · صفحة 111 من 415

[صفحة 111]

وَ سَلَكُوا مِنْهَاجَهُمْ وَ أَلْطَفُوا الْفِكَرَ وَ انْتَفَعُوا بِالْعِبَرِ وَ صَبَرُوا فِي هَذَا الْعُمُرِ الْقَصِيرِ مِنْ مَتَاعِ الْغُرُورِ الَّذِي يَعُودُ إِلَى الْفَنَاءِ وَ يَصِيرُ إِلَى الْحِسَابِ نَظَرُوا بِعُقُولِهِمْ إِلَى آخِرِ الدُّنْيَا وَ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَى أَوَّلِهَا وَ إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا وَ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَى ظَاهِرِهَا وَ فَكَّرُوا فِي مَرَارَةِ عَاقِبَتِهَا فَلَمْ يَسْتَمْرِئْهُمْ‏ (1) حَلَاوَةُ عَاجِلِهَا ثُمَّ أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الصَّبْرَ وَ أَنْزَلُوا الدُّنْيَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْبَعَ مِنْهَا إِلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ إِلَيْهَا وَ أَكَلُوا مِنْهَا بِقَدْرِ مَا أَبْقَى لَهُمُ النَّفَسَ وَ أَمْسَكَ الرُّوحَ وَ جَعَلُوهَا بِمَنْزِلَةِ الْجِيفَةِ الَّتِي اشْتَدَّ نَتْنُهَا فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِهَا أَمْسَكَ عَلَى فِيهِ فَهُمْ يَتَبَلَّغَونَ بِأَدْنَى الْبَلَاغِ وَ لَا يَنْتَهُونَ إِلَى الشِّبَعِ مِنَ النَّتْنِ وَ يَتَعَجَّبُونَ مِنَ الْمُمْتَلِي مِنْهَا شِبَعاً وَ الرَّاضِي بِهَا نَصِيباً إِخْوَانِي وَ اللَّهُ لَهِيَ فِي الْعَاجِلَةِ وَ الْآجِلَةِ لِمَنْ نَاصَحَ نَفْسَهُ فِي النَّظَرِ وَ أَخْلَصَ لَهَا الْفِكَرَ أَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ وَ أَكْرَهُ مِنَ الْمَيْتَةِ غَيْرَ أَنَّ الَّذِي نَشَأَ فِي دِبَاغِ الْإِهَابِ لَا يَجِدُ نَتْنَهُ وَ لَا تُؤْذِيهِ رَائِحَتُهُ مَا تُؤْذِي الْمَارَّ بِهِ وَ الْجَالِسَ عِنْدَهُ وَ قَدْ يَكْفِي الْعَاقِلَ مِنْ مَعْرِفَتِهَا عِلْمُهُ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ وَ خَلَّفَ سُلْطَاناً عَظِيماً سَرَّهُ أَنَّهُ عَاشَ فِيهَا سُوقَةً خَامِلًا أَوْ كَانَ فِيهَا مُعَافًى سَلِيماً سَرَّهُ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مُبْتَلًى ضَرِيراً فَكَفَى بِهَذَا عَلَى عَوْرَتِهَا وَ الرَّغْبَةُ عَنْهَا دَلِيلًا وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ مَنْ أَرَادَ مِنْهَا شَيْئاً وَجَدَهُ حَيْثُ تَنَالُ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَ لَا تَعَبٍ وَ لَا مَئُونَةٍ وَ لَا نَصَبٍ وَ لَا ظَعْنٍ وَ لَا دَأْبٍ غَيْرَ أَنَّ مَا أَخَذَ مِنْهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ لَزِمَهُ حَقُّ اللَّهِ فِيهِ وَ الشُّكْرُ عَلَيْهِ وَ كَانَ مَسْئُولًا عَنْهُ مُحَاسَباً بِهِ لَكَانَ يَحِقُّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ مِنْهَا إِلَّا قُوَّتَهُ وَ بُلْغَةَ يَوْمِهِ حَذَراً مِنَ السُّؤَالِ وَ خَوْفاً مِنَ الْحِسَابِ وَ إِشْفَاقاً مِنَ الْعَجْزِ عَنِ الشُّكْرِ فَكَيْفَ بِمَنْ تَجَشَّمَ فِي طَلَبِهَا مِنْ خُضُوعِ رَقَبَتِهِ وَ وَضْعِ خَدِّهِ وَ فَرَطِ عِنَائِهِ وَ الِاغْتِرَابِ عَنْ أَحْبَابِهِ وَ عَظِيمِ أَخْطَارِهِ ثُمَّ لَا يَدْرِي مَا آخِرُ ذَلِكَ الظَّفَرُ أَمِ الْخَيْبَةُ إِنَّمَا الدُّنْيَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَوْمٌ مَضَى بِمَا فِيهِ فَلَيْسَ بِعَائِدٍ وَ يَوْمٌ أَنْتَ فِيهِ فَحَقٌّ عَلَيْكَ اغْتِنَامُهُ وَ يَوْمٌ لَا تَدْرِي أَنْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَعَلَّكَ رَاحِلٌ فِيهِ أَمَّا الْيَوْمُ الْمَاضِي‏

____________
(1) استمرأ الطعام: استطيبه وعده و وجده مريئا.
التالي صفحة 111 من 415 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...