بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء التاسع والستون 69 · صفحة 32 من 349

[صفحة 32]

لأنه يحمل المرء على كل صعب و ذلول و ربما يؤديه إلى الاعتراض على الله و التصرف في ملكه و الفقر نعمة من الله داع إلى الإنابة و الالتجاء إليه و الطلب منه و هو حلية الأنبياء و زينة الأولياء و زي الصلحاء و من ثم ورد خبر إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين فهو نعمة جليلة بيد أنه مولم شديد التحمل. قال الغزالي هذا الحديث ثناء على المال و لا تقف على وجه الجمع بين المدح و الذم إلا بأن تعرف حكمة المال و مقصوده و فوائده و غوائله حتى ينكشف لك أنه خير من وجه شر من وجه و ليس بخير محض و لا بشر محض بل هو سبب للأمرين معا يمدح مرة و يذم مرة و البصير المميز يدرك أن الممدوح منه غير المذموم. و قال بعض أصحابنا في الدعاء نعوذ بك من الفقر و القلة قيل الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعم الله و نسيان ذكره و يدعوه إلى سد الخلة بما يتدنس به عرضه و يثلم به دينه و القلة تحمل على قلة الصبر أو قلة العدد. و في الخبر أنه ص تعوذ من الفقر - وَ قَالَ: الْفَقْرُ فَخْرِي وَ بِهِ أَفْتَخِرُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. و قد جمع بين القولين بأن الفقر الذي تعوذ منه ص الفقر إلى الناس و الذي دون الكفاف و الذي افتخر به الفقر إلى الله تعالى و إنما كان هذا فخرا له على سائر الأنبياء مع مشاركتهم له فيه لأن توحيده و اتصاله بالحضرة الإلهية و انقطاعه إليه كان في الدرجة التي لم يكن لأحد مثلها في العلو ففقره إليه كان أتم و أكمل من فقر سائر الأنبياء.

: و قال الكرماني في شرح البخاري في‏ - قَوْلُهُ ص أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ.

استدل به على تفضيل الغنى و بقوله تعالى‏ إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي مالا و بأنه ص توفي على أكمل حالاته و هو موسر بما أفاء الله عليه و بأن الغنى وصف للحق و حديث أكثر أهل الجنة الفقراء إخبار عن الواقع كما يقال أكثر أهل الدنيا الفقراء و أما تركه الطيبات فلأنه لم يرض أن يستعجل من الطيبات.

التالي صفحة 32 من 349 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...