بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الحادي والستون 61 · صفحة 61 من 337

[صفحة 61]

جَمِيعاً وَ كُلُّهَا لَا يُرَى مِنْهَا إِذَا مَاتَتْ‏ (1) إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ يَصِيدُهُ قَانِصٌ وَ يَفْتَرِسُهُ سَبُعٌ فَإِذَا أَحَسُّوا بِالْمَوْتِ كَمَنُوا (2) فِي مَوَاضِعَ خَفِيَّةٍ فَيَمُوتُونَ فِيهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَامْتَلَأَتِ الصَّحَارِي مِنْهَا حَتَّى تَفْسُدَ رَائِحَةُ الْهَوَاءِ وَ يُحْدَثَ الْأَمْرَاضُ وَ الْوَبَاءُ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي يَخْلُصُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَ عَمِلُوهُ بِالتَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مُثِّلَ لَهُمْ كَيْفَ جُعِلَ طَبْعاً وَ فِي الْبَهَائِمِ وَ غَيْرِهَا ادِّكَاراً لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ مَعَرَّةِ مَا (3) يُحْدَثُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ الْفَسَادِ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْفَطَنِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ لِمَصْلَحَتِهَا بِالطَّبْعِ وَ الْخِلْقَةِ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ نِعَمِهِ جَلَّ وَ عَزَّ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا بِعَقْلٍ وَ رَوِيَّةٍ فَإِنَّ الْأُيَّلَ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ فَيَعْطَشُ عَطَشاً شَدِيداً فَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَدِبَّ السَّمُّ فِي جِسْمِهِ فَيَقْتُلَهُ وَ يَقِفُ عَلَى الْغَدِيرِ وَ هُوَ مَجْهُودٌ عَطَشاً فَيَعِجُّ عَجِيجاً عَالِياً وَ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ وَ لَوْ شَرِبَ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَانْظُرْ إِلَى مَا جُعِلَ مِنْ طِبَاعِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ مِنْ تَحَمُّلِ الظَّمَاءِ الْغَالِبِ خَوْفاً مِنَ الْمَضَرَّةِ فِي الشُّرْبِ وَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ الْعَاقِلُ الْمُمَيِّزُ يَضْبِطُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَ الثَّعْلَبَ إِذَا أَعْوَزَهُ الطُّعْمُ تَمَاوَتَ وَ نَفَخَ بَطْنَهُ حَتَّى يَحْسَبَهُ الطَّيْرُ مَيِّتاً فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ لِتَنْهَشَهُ وَثَبَ عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا فَمَنْ أَعَانَ الثَّعْلَبَ الْعَدِيمَ النُّطْقِ وَ الرَّوِيَّةِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَوْجِيهِ الرِّزْقِ لَهُ مِنْ هَذَا وَ شِبْهِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الثَّعْلَبُ يَضْعُفُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَقْوَى عَلَيْهِ السِّبَاعُ مِنْ مُسَاوَرَةِ الصَّيْدِ أُعِينَ بِالدَّهَاءِ (4) وَ الْفِطْنَةِ وَ الِاحْتِيَالِ لِمَعَاشِهِ وَ الدُّلْفِينَ يَلْتَمِسُ صَيْدَ الطَّيْرِ فَيَكُونُ حِيلَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ السَّمَكَ فَيَقْتُلَهُ وَ يَشْرَحَهُ‏ (5) حَتَّى يَطْفُوَ عَلَى‏

____________
(1) في كتاب التوحيد: و كلها لا يرى منها شي‏ء إذا ماتت.
(2) أي تواروا و اختفوا.
(3) المعرة: الاذى.
(4) الدهاء: جودة الرأى و الحذق. المكر و الاحتيال.
(5) شرح اللحم: قطعه قطعا طوالا.
التالي صفحة 61 من 337 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...