بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 247 من 337

[صفحة 247]

كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها و لا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعا للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أنه تعالى أعطى الحواس و القوى الداركة للصور الجزئية و عندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة هي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات و إنما لا يظهر آثارها عليها حتى إذا قوي و ترقى ظهرت آثارها شيئا فشيئا و قد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية فالمراد بقوله‏ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً أنه لا يظهر أثر العلم عليهم ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة و الباطنة يكتسب سائر العلوم و معنى‏ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ أن تصرفوا كل آلة في ما خلق لأجله و ليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف جعل على أخرج أن يكون جعل السمع و البصر و الأفئدة متأخرا عن الإخراج من البطن. وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ‏ قال الرازي لما أشار إلى دلائل الأنفس و الآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بالاختلاف الذي بين ألوان الإنسان فإن واحدا منهم مع كثرة عددهم و صغر حجمهم خدودهم و قدودهم لا تشتبه بغيرهم و الثاني اختلاف كلامهم فإن عربيين هما أخوان إذا تكلما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر حتى أن من يكون محجوبا عنهما لا يبصرهما يقول هنا صوت فلان و فيه حكمة بالغة و ذلك لأن الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره و العدو من الصديق ليحترز قبل وصول العدو إليه و ليقبل على الصديق‏ (1) قبل أن يفوته الإقبال عليه و ذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور و قد يكون بالسمع فخلق اختلاف الأصوات و أما اللمس و الشم و الذوق فلا يفيد فائدة في معرفة العدو و الصديق فلا يقع بها التمييز (2) و من الناس من قال إن المراد اختلاف اللغات كالعربية و الفارسية و الرومية و غيرها و الأول أصح انتهى. و على الثاني المراد أنه علم كل صنف لغته أو ألهمه وضعها و أقدره عليها.

____________
(1) في أكثر النسخ «ليحترز قبل ...» و هو خطأ من النسّاخ ظاهر.
(2) في أكثر النسخ «التميز».
التالي صفحة 247 من 337 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...